ابن الحسن النباهي الأندلسي
213
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
ومظهر الحكم الحكيم الذي * يتلو علينا طيب أخبارك ما ألفت مثلك كفؤا ولا * أوت إلى أكرم من دارك وهذه القطعة قد بلغت الغاية من البراعة ، وتمكّن البلاغة ، وإن كان في طيّ ما تضمّنته من وصف الخطّة الشرعيّة بالناشز الفارك ، وبأنّها لم تؤت رشدها ما فيه . ثم إنّ الولاية حنّت إليه ، ووقفت مرادها عليه ، فعاد إليها ، والعود أحمد واستمرّ قيامه بها ، إلى أن هلك السلطان أبو الحجّاج مستقضيه ، مأموما به ، في الركعة الثانية من صلاة عيد الفطر عام 755 - رحمه اللّه وأرضاه - : عدا عليه شقيّ كأنّه وحشيّ ، فضربه بظهره ، وهو ساجد لربّه . وولي الأمر بعد ولده الخليفة المؤيّد المنصور أبو عبد اللّه « 1 » - أبقاه اللّه ووقاه - فجدّد ولايته ، وأكّد رعايته ؛ وقد كانت رحى الوقيعة دارت على القاضي الخطيب ، وهو في محرابه حين الكائنة ؛ فعركته ، ولم تتركه ، إلّا وقد أشفى على التلف ؛ فعوجل بإخراج الدم ، وعند ذلك تنفّس عنه بعض ما وجده من الألم . وكان له في المجالس الملكيّة ، والمجتمعات الجمهوريّة ، من جلالة الأبّهة وملازمة التؤدة ، وإمساك النفس عن المسارعة عند المخالفة إلى المراجعة ، ما لم يكن لغيره من أهل طبقته ؛ فإذا خلا بمنزله ، أدخل عليه في خاصّة أصحابه . رأيته ؛ فكأنّه من تنزّله ، وتبدّله ، بمثابة أصاغر طلبته . وكثيرا ما كان يباشر خدمة الواردين عليه بذاته ، دون وزعته ، اقتداء بالأئمّة الماضين من قبله فمن كلامهم : « ليس ينقص من الرجل الشريف أن يخدم ضيفه ، ولا أن يتصاغر لسلطانه ، وأن يتواضع لشيخه » ولقد بتنا معه ليلة بحشّه من خارج الحضرة ، في أناس منهم الشريف أبو عبد اللّه بن راجح السوسيّ ، والأستاذ أبو عليّ الزواويّ ، والوزير أبو عبد اللّه بن الخطيب اللّوشيّ ، فمالت ذبالة الشمعة في أثناء الليل إلى الذبول ؛ فذهب أحد الحاضرين ليقوّيها ؛ فأمسكه القاضي ، وبادر هو بنفسه لها ؛ فأذكى نارها ، وقوّى نورها ، وقال :
--> ( 1 ) هو الغني باللّه محمد بن يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل ، ثامن سلاطين بني نصر بغرناطة ، والمتوفي سنة 793 ه . ترجمته في اللمحة البدرية ( ص 113 - 126 ، 129 - 131 ) والإحاطة ( ج 2 ص 13 - 91 ) ، والدرر الكامنة ( ج 4 ص 291 ) وأزهار الرياض ( ج 1 ص 37 ، 58 ، 194 - 204 ، 224 ) ونفح الطيب ( ج 5 ص 189 - 199 ) .